الآلوسي

42

تفسير الآلوسي

أي فرقا تشايع كل فرقة أمامها الذي مهد لها دينها وقرره ووضع أصوله * ( كُلُّ حزْب بمَا لَدَيْهمْ ) * من الدين المعوج المؤسس على الرأس الزائغ والزعم الباطل * ( فَرحُونَ ) * مسرورون ظناً منهم أنه حق ، والجملة قيل اعتراض مقرر لمضمون ما قبله من تفريق دينهم كونهم شيعاً ، وقيل : في موضع نصب على أنها صفة * ( شيعاً ) * بتقدير العائد أي كل حزب منهم ، وزعم بعضهم كونها حالاً . وجوز أن يكون * ( فرحون ) * صفة لكل كقول الشماخ : وكل خليل غير هاضم نفسه * لوصل خليل صارم أو معارز والخبر هو الظرف المتقدم أعني قوله تعالى : * ( من الذين فرقوا دينهم ) * ( الروم : 32 ) فيكون منقطعاً عما قبله ، وضعف بأنه يوصف المضاف إليه في نحوه صرح به الشيخ ابن الحاجب في قوله : وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان وفي البحر أن وصف المضاف إليه في نحوه هو الأكثر وأنشد قوله : جادت عليه كل عين ترة * فتركن كل حديقة كالدرهم وما قيل : إنه إذا وصف به * ( كل ) * دل على أن الفرح شامل للكل وهو أبلغ ليس بشيء بل العكس أبلغ لو تؤمل أدنى تأمل . * ( وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ) * . * ( وَإذَا مَسَّ النصاسَ ضُرٌّ ) * أي شدة * ( دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنيبينَ إلَيْه ) * راجعين إليه تعالى من دعاء غيره عز وجل من الأصنام وغيرها * ( ثُمَّ إذَا أَذَاقَهُمْ منْهُ رَحْمَةً ) * خلاصاً من تلك الشدة * ( إذَا فَريقٌ برَبِّهمْ ) * الذي كانوا دعوه منيبين إليه * ( يُشْركُونَ ) * أي فاجأ فريق منهم الإشراك وذلك بنسبة خلاصهم إلى غيره تعالى من صنم أو كوكب أو نحو ذلك من المخلوقات ؛ وتخصيص هذا الفعل ببعضهم لما أن بعضهم ليسوا كذلك ، وتنكير * ( ضر . ورحمة ) * للتعليل إشارة إلى أنهم لعدم صبرهم يجزعون لأدنى مصيبة ويطغون لأدنى نعمة ، و " ثم " للتراخي الرتبى أو الزماني . * ( لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) * . * ( ليَكْفُرُوا بمَا اتَيْنَاهُمْ ) * اللام فيه للعاقبة وكونها تقتضي المهلة ولذا سميت لام المآل والشرك والكفر متقاربان لا مهلة بينهما كما قيل لا وجه له ، وقيل : للأمر وهور للتهديد كما يقال عند الغضب اعصني ما استطعت وهو مناسب لقوله سبحانه : * ( فَنَمَتَّعُوا ) * فإنه أمر تهديدي ، واحتمال كونه ماضياً معطوفاً على " يشركون " لا يخفي حاله ، والفاء للسبيية ، والتمتع التلذذ ، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب * ( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) * وبال تمتعكم . وقرأ أبو العالية " فيمتعوا " بالياء التحتية مبنياً للمفعول وهو معطوف على * ( يكفروا . فسوف يعلمون ) * بالياء التحتية أيضاً ، وعن أبي العالية أيضاً * ( فيتمتعوا ) * بياء تحتية قبل التاء وهو معطوف على * ( يكفروا ) * أيضاً ، وعن ابن مسعود * ( وليتمتعوا ) * باللام والياء التحتية وهو عطف على * ( ليكفروا ) * . * ( أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ ) * . * ( أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهمْ سُلْطَاناً ) * التفات من الخطاب إلى الغيبة إيذاناً بالاعراض عنهم وتعديداً لجناياتهم لغيرهم بطريق المباثة ، و * ( أم ) * منقطعة ، والسلطان الحجة فالإنزال مجاز عن التعليم أو الإعلام ، وقوله تعالى : * ( فَهُوَ يَتَكَلَّمُ ) * بمعنى فهو يدل على أن التكلم مجاز عن الدلالة ، ولك أن تعتبر هنا جميع ما اعتبروه في قولهم : نطقت الحال من الاحتمالات ، ويجوز أن يراد بسلطاناً ذا سلطان أي ملكاً معه برهان فلا مجاز أولاً وآخراً . وجملة * ( هو يتكلم ) * جواب للاستفهام الذي تضمنته * ( أم ) * إذ المعنى بل أأنزلنا عليهما سلطاناً فهو يتكلم